أبي منصور الماتريدي
339
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أن يستحق اسم البر والتقوى ، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور « 1 » بسلوكه ذلك السبيل ، وصار مريدا من هذه الجهة . ثم قوله : أَمامَهُ ، يحتمل وجهين : أحدهما : فيما بقي من عمره ؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد ، ويمضي على العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال . ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة ، ثم قال في موضع : وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا [ الإنسان : 27 ] بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا ؛ فيكون قوله : وَراءَهُمْ ، أي : وراء الأوقات التي خلت ومضت ؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها ، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك الفاجر يكون أماما ؛ لأنه يكون أمام هذا الفاجر ؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام والوراء جميعا . ثم ذكر الفجور ، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه كافرا ؛ لأن في ذكر « 2 » الفجور تعييرا وتشيينا ؛ إذ هو « 3 » اسم للتعيير خاصة ، وليس في نفس الكفر تعيير ؛ إذ كل أحد - مؤمنا كان أو كافرا - مؤمن بشيء كافر بشيء ، فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا ؛ بل بمعناه ما قبح ؛ فكان الفجور أبلغ في التعيير من الكفر ؛ فسمي به ، والله أعلم . وقال أبو بكر : معنى قوله : يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ، أي : يريد أن يعاين يوم القيامة ، ويعلم به أنه متى هو ؟ تفسيره على أثره . قوله - عزّ وجل - : يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ، أي : يريد أن يعلمه بسؤاله متى هو ؟ فأخبر أنها تقوم إذا بَرِقَ الْبَصَرُ ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ سؤاله هذا سؤال تعنت واستهزاء ؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب ، وإنما يقع الزجر والرغبة بتذكير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم ؛ فلذلك ذكر الأحوال التي تكون في ذلك اليوم ، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون ؟ إذ ليس في معرفة وقته كثير « 4 » حكم ، فيجيبهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بجواب الحكماء ، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم . وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ : قيل : دهش وتحير ، ثم اختلف بعد هذا :
--> ( 1 ) في ب : الشر قد . ( 2 ) في أ : ذلك . ( 3 ) في أ : هم . ( 4 ) في ب : كبير .